التعليق على الموافقات (1430) - 24

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1430) - 24
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
جمعة 11/ ربيع الثاني/ 1442 11:10 ص

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحسن الله إليكم، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في كتاب الموافقات: "بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، كتاب الأدلة الشرعية: والنظر فيه فيما يتعلق بها على الجملة، وفيما يتعلق بكل واحد منها على التفصيل، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فالنظر إذًا يتعلق بطرفين".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فلما انتهى المؤلف في النصف الأول من الكلام على المقاصد، بدأ بذكر أو بالحديث عن الأدلة الشرعية الإجمالية، لا التفصيلية؛ لأنها موضوع الفقه، والأدلة الشرعية الإجمالية يعني على الجُملة هذا موضوع أصول الفقه، وفيه المؤلفات الكثيرة التي لا تُعدُّ ولا تحصى، في جميع المذاهب، النصف الأول التأليف فيه، والتصنيف نادر قليل جدًّا، يعني امتاز به المؤلف عن غيره ممن كتب في أصول الفقه، وأما النصف الثاني فيشاركه فيه كل من ألّف في أصول الفقه؛ لأنهم يبحثون في الأدلة الشرعية الإجمالية، فهم يتحدثون عن الكتاب وما يتعلق به، والسُّنَّة وما يتعلق بها، والإجماع والقياس، ويتحدثون أيضًا عن الأدلة المختلف فيها على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، والنظر في كل دليلٍ من هذه الأدلة، فإن هذا موضوع الفقه لأنه استدلال للمسائل.

 هنا يتحدث عن هذه الأصول، على سبيل الإجمال، ويقول: والنظر فيما يتعلق بها على الجُملة، وفيما يتعلق بكل واحد منها على التفصيل، البحث موضوعه إجمالاً، يعني يُبحَث في الأدلة إجمالاً على سبيل الإجمال، إجمالًا بالنظر لمفرداتها، وتفصيلًا بالنسبة لآحادها، هناك أدلة هذه اللفظة مجملة، تفصيلها الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، وتفصيل التفصيل فيما يرد من أدلة الكتاب والسُّنة على المسائل، الذي هو ليس موضوع أصول الفقه، فعندنا إجمال كلي، وإجمال جزئي، وتفصيل.

وإن قلت في الإجمال الجزئي تفصيل نوعي فلا مانع، وهو الذي يريده المؤلف هنا، يقول: وفيما يتعلق، فيما يتعلق فيها على الجملة الأدلة، الأدلة هي معوَّل المحتجّ المستدل على الأحكام، الأدلة من حيث الإجمال، لكن التفصيل هناك من الأدلة ما يتفق عليه، وهناك ما يختلف فيه، على ما سيأتي، فمن الأمور المتفق عليها الكتاب والسُّنة والإجماع، والقياس فيه خلافٌ، لكنه لا يلتفت إليه، وأما الأدلة الأخرى فالخلاف فيها قوي، فقوله: بكل واحد منها على التفصيل ننتبه أن التفصيل ليس المراد به تفصيل جزئيات الأدلة لكل مسألة مسألة؛ لأن جزئيات الأدلة لكل مسألة مسألة هذا موضوع الفقه، الذي هو بيان الأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية، يختلف عن التفصيل الذي عندنا؛ لأن عندنا تفصيلًا، لكنه إجمال في الجملة لكل واحد من هذه الأمور المُفصَّلة.

"الطرف الأول في الأدلة على الجملة والكلام فيها: أ- في كليات تتعلق بها".

أين ألف؟ نعم. يعني يعني في أمرين.

"أ-في كليات تتعلق بها، وب- في العوارض اللاحقة لها، والأول يحتوي على مسائل: المسألة الأولى".

النظر الأول؟

"النظر الأول في كليات الأدلة على الجملة: المسألة الأولى: لما انبنت الشريعة على قصد".

يعني في الكلام على الأدلة إجمالاً بالنظر إليها نفسها، والنظر الثاني فيما يتعلق بعوارضها، نعم.

"لما انبنت الشرعية على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات والحاجيات والتحسينات".

التي تقدَّم تفصيلها في أول الكتاب.

"وكانت هذه الوجوه مبثوثة في أبواب الشريعة".

يعني جميع أبواب الشريعة فيها الضروريات، وفيها الحاجيات، وفيها التحسينات، الأبواب كلها فيها ما يتعلق بهذا، وفيها أيضًا ما يتعلق بالأدلة، من كتاب وسنة وإجماع وقياس، فنحتاج إلى بحث هذه الأمور الثلاثة، وتقدم بحثها الضروريات والحاجيات والتحسينات، ونحتاج إلى ما يؤيد أو ما يستدل به لهذه الأمور الثلاثة وهو الأدلة.

"وأدلتها غير مختصة بمحل دون محل، ولا بباب دون باب ولا بقاعدة دون قاعدة، كان النظر الشرعي فيها أيضا عامًّا لا يختص بجزئية دون أخرى؛ لأنها كليات تقضي على كل جزئي تحتها".

يعني هذا العلم، العلم هو المبني على الأدلة والاستدلال، وأما ما عدا ذلك فلا يستحق أن يُسمى علمًا، العلم مجرد عن الأدلة اللهم إلا إذا كان القصد منه تقريب العلم للطلاب، من أجل أن يراجعوا الأدلة كالمتون، أما أن يوجد كتاب مُطوَّل فيه تفصيلات وتفريعات للمسائل، ويخلو من الأدلة فهذا منزوع البركة، كيف يكون كتاب علم وليس فيه دليل من كتاب ولا سنة؟ إنما هو مجرد استنباطات عقلية، قد يمكن أن يستدل لهذه المسائل، يستدل لهذه المسائل كما يفعل بعض الأتباع يستدلون لإمامهم الذي أفتى بفتوى غير مقرونة بدليلها، أو ألّف في موضوع لم يستوعب أدلته، تجدهم يستدلون له ولو بشيءٍ من التعسُّف، فمن نعمة الله -جل وعلا- أن يعرف الطالب، طالب العلم الدليل قبل أن يعرف الحُكم، ويستنبط من الدليل، لا أن يعرف الحُكم، ثم يذهب ليستدل له، ثم يذهب ليستدل له، لكن إن هجم على قلبه حكم أو سمع حكمًا، فإنه لا يتبناه ولا يعتمده إلا إذا وجد ما يدلُّ عليه.

"وسواء علينا أكان جزئيًّا إضافيًّا أم حقيقيًّا؛ إذ ليس فوق هذه الكليات كليٌّ تنتهي إليه".

جزء جزئي أو جزئي إضافي أم جزئي حقيقي؟ ما الفرق بين الجزئي الإضافي والجزئي الحقيقي؟ يعني مرّ بكم في البلاغة الحصر الحقيقي والحصر الإضافي، الحصر الحقيقي والحصر الإضافي، إذا قلت: لا شاعر إلا حسان، هذا حصر، لكن حقيقي أم إضافي؟ إضافي ليس بحقيقي؛ لأنه يوجد شعراء غير حسان، والحصر الحقيقي إذا قلت: لا يوجد مخلوق من أم دون أب إلا عيسى، هذا حقيقي أم إضافي؟ هذا حقيقي لا يوجد له نظير، والأمثلة على هذا وهذا كثيرة، هنا الجزئيات منها ما هو إضافي، ومنها ما هو حقيقي.

 الآن عندنا جزئيات المسائل العلمية في كتب الفروع هذه جزئيات حقيقية، وعندنا الجزئيات، جزئيات الأدلة التي هي الكتاب والسُّنة الي نسميها تفصيلية جزئيات، جزئيات لمركَّب واحد، وإن شئت فمثِّل بأركان الإسلام، الإسلام كُلي، جزئياته الأركان الخمسة، وجزئيات الجزئيات ما يتعلق بكل ركن، نعم، فالمرتبة المتوسطة التي هي الأركان جزئيات حقيقة أم إضافية؟ إضافية بالنسبة للكلي، إضافية بالنسبة للكي، وإلا فهي في الحقيقة كليات بالنسبة لجزئياتها، نعم.

"بل هي أصول الشريعة، وقد تمت، فلا يصح أن يفقد بعضها حتى يفتقر إلى إثباتها بقياس، أو غيره، فهي الكافية في مصالح الخلق عمومًا وخصوصًا؛ لأن الله تعالى قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [ المائدة: 3 ]، وقال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [ الأنعام: 38 ]، وفي الحديث: «تركتكم على الجادة» الحديث، وقوله: «لا يهلك على الله إلا هالك»".

أقوى منه وأصح: «تركتم على بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك».

"ونحو ذلك من الأدلة الدالة على تمام الأمر، وإيضاح السبيل، وإذا كان كذلك، وكانت الجزئيات، وهي أصول الشريعة".

جزئيات أصول، كيف يجيء جزئيات أصول؟

طالب:...

نعم، جزئيات باعتبار الأمر المقسوم الكلي الذي هو الأدلة، فهي أقسام لمقسوم كلي، مثل ما قلنا في الأركان بالنسبة للإسلام، ومثل ما قلنا في الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس بالنسبة للأدلة.

"فما تحتها مستمدة من تلك الأصول الكلية، شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات، فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ إذ محالٌ أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلاً في جزئي معرضًا عن كُلِّيه، فقد أخطأ، وكما أن من أخذ بالجزئي معرضًا عن كُلِّيه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكُلِّي معرضًا عن جزئيه".

يعني نضرب مثالًا، كتب القواعد، كتب القواعد لا يمكن أن تأخذ القواعد مجردة عن أمثلتها وجزئياتها؛ لأنها انبنت على هذه الجزئيات، وعلى هذه الأمثلة، ومنها أُخذت واستنبطت، ولا يمكن أن تستغني بالجزئيات عن القواعد العامة، يعني مثل قواعد ابن رجب مثلاً، تجريد القواعد فقط وترديدها على الذهن من دون تمثيل، ومن دون تطبيقها على الجزئيات ما تستفيد، والعكس ممكن، لكنه متعب، لكنه متعب؛ لأن هذه القواعد في عبارات يسيرة يمكن أن تفرع عليها المسائل الكثيرة، هذه المسائل الكثيرة لو تتبعتها من غير نظر في قواعدها العامة، لاحتجت أن تحصر في تحصر عشرات المسائل في مقابل قاعدة واحدة، فلا بد من هذا لهذا، ولا بد من هذا لذاك.

 ولذلك تختلف أنظار العلماء المصنفين في أصول الفقه، فمنهم من يبني الأصول على الأمثلة، يورد أمثلة ومسائل وأحكامًا، ثم يستنبط منها قاعدة أصولية، وهذه طريقة الحنفية، والعكس منهم من يقعِّد القاعدة، ويضبط القاعدة، ثم يُفرِّع عليها، وهذه طريقة من يسمون المتكلمين الشافعية وغيرهم.

"وبيان ذلك أن تلقي العلم بالكُلِّي إنما هو من عرض الجزئيات، واستقرائها، وإلا فالكُلي من حيث هو كُلِّي غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات".

نعم؛ لأنه كيف توصلنا إلى هذه القواعد؟ هذه القواعد سواء كانت كُلِّية أو أغلبية كيف توصلنا إليها؟ من خلال النظر في الجزئيات، ثم بعد ذلك لما قعَّدنا هذه القواعد بناءً على جمع المسائل الجزئية، المتشابهة التي تنضوي تحت قاعدة واحدة فرعنا على هذه القاعدة مسائل كثيرة جدًّا، فهل في هذا دور؟ أننا أخذنا القاعدة واستفدناها من الفروع، وهذه الفروع فرعناها من القاعدة الكُلِّية، فيه دور أم ما فيه؟

طالب:...

كيف؟

طالب:...

نعم، في أثناء التقعيد لا يلزم استقراء جميع الفروع، طيب إذا لم يتم استقراء جميع الفروع الاستقراء الناقص يمكن أن يؤخذ منه قاعدة كلية؟

طالب:...

يعني هل بالإمكان إذا نظرنا إلى ثلاث، أربع، عشر مسائل متشابهة، استنبطنا منها قاعدة؟

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

يعني هل المسألة تتعلق بذهن المُقعِّد بمعنى أنه تصوَّر جزئيات الشريعة، ولا يمكن أن يخرج بقواعد منضبطة حتى يكون من هذا النوع من أهل الاستقراء التام، ولا يلزم أن ينظر في كل مسألة مسألة؟

 المقصود أنه يكون عنده تصور ولو من وجه على مسائل الشريعة وأدلتها؛ ليستطيع أن يقعِّد قاعدة، أما طالب علم يبحث في الأبواب، ويتفقه من خلال كتب الفقه، ثم بعد ذلك يخرج بقواعد ما يمكن، ما يمكن، فهو ما توصل إلى هذه المرحلة وهذه المرتبة التي يحق لها أن يستنبط قواعد، ويقعِّد ويضبط الضوابط إلا بعد أن استكملت الآلة عنده، ونظر في جميع أبواب الدين، ولا يلزم أن يكون نظره واستقراؤه تامًّا بمعنى التمام، أو كاملاً بمعنى الكمال الذي لا يشذ عنه ولا يفذ، وإلا فما فائدة القواعد؟

إذا عرفنا الفروع عرفنا أحكام هذه الفروع، لسنا بحاجة إلى القواعد، إنما حاجتنا إلى القواعد لنتخفف من هذه الفروع، وإذا أردنا أي فرع من هذه الفروع استحضرنا القاعدة، واستنبطنا منها واستخرجنا منها هذه الفروع، فلا دور.

طالب:...

على كل حال هذه نادرة جدًّا التي...

طالب: يعني لما يتكلمون عن القواعد الخمس الكلية الكبرى.

ألا يوجد غيرها.

طالب: يعني في الغالب لا تنخرم.

ما تنخرم، الأمور بمقاصدها ما تنخرم؟

طالب:...

لا.

طالب: تبقى الأمور بمقاصدها.

الذين يقررون هذه القاعدة من الشافعية يقولون: يكفي طواف الوداع عن طواف الإفاضة.

طالب: لكن هذا تنزيلهم هم.

نعم.

"ولأنه ليس بموجود في الخارج، وإنما هو مضمن في الجزئيات".

إذا جاءت قاعدة في كلام الشارع، إذا جاءت قاعدة في كلام الشارع، جاءت في أثناء حديث نكون حينئذٍ عرفنا القاعدة قبل معرفة الجزئيات، والمؤلف لا يريد هذا النوع المنصوص عليه، يريد المستنبط.

"حسبما تقرر في المعقولات".

تقرر في المعقولات يعني في علم الكلام والمنطق أن النتائج إنما تُبنى على مقدمات.

 "فإذًا الوقوف مع الكُلِّي مع الإعراض عن الجزئي، وقوف مع شيء لم يتقرر العلم به بعد دون العلم بالجزئي، والجزئي هو مظهر العلم به، وأيضًا فإن الجزئي لم يوضع جزئيًّا".

نعم القواعد عمومًا هي نظرية، كيف تكون واقعية؟ ظاهرة للعيان؟ إنما تكون ظاهرة بفروعها، بفروعها..

" وأيضًا فإن الجزئي لم يوضع جزئيًّا إلا لكون الكُلي فيه على التمام، وبه قوامه، فالإعراض عن الجزئي من حيث هو جزئي إعراض عن الكُلِّي نفسه في الحقيقة، وذلك تناقض؛ ولأن الإعراض عن الجزئي جملة يؤدي إلى الشك في الكلي من جهة أن الإعراض عنه إنما يكون عند مخالفته للكُلِّي، أو توهم المخالفة له".

يعني إذا أعرضت عن فرع من فروع هذه القاعدة، فلماذا؟ لأنك ترى أن هذا الفرع لا يمكن أخذه من هذه القاعدة، وأن هذه القاعدة لا تنطبق عليه.                                   

"وإذا خالف الكُلِّي الجزئي مع أنّا إنما نأخذه من الجزئي، دل على أن ذلك الكلي لم يتحقق العلم به؛ لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءًا من الكُلِّي لم يأخذه المعتبر جزءًا منه، وإذا أمكن هذا لم يكن بُدٌّ من الرجوع إلى الجزئي في معرفة الكُلِّي، ودل ذلك على أن الكُلِّي لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع؛ لأن الكُلِّي إنما ترجع..".

لكن متى تعرف قصد الشارع؟ إذا كنت من أهل الاطلاع الواسع والاستقراء التام؛ لأن من الأحكام الشرعية ما جاء فيما يقرره بعض أهل العلم على خلاف القياس، هل تعرف من ورائه قصد الشارع؟ ما جاء على خلاف القياس، والنصوص الكثيرة المتضافرة المتظاهرة على خلاف ما جاء به هذا النصّ، هذا ما يمكن أن يُعرف منه قصد الشارع إلا مع الإحاطة والاستقراء التام.

"لأن الكُلِّي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك، والجزئي كذلك أيضًا، فلا بد من اعتبارهما معًا في كل مسألة.  فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كُلِّية، ثم أتى النصّ على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة، فلا بد من الجمع في النظر بينهما؛ لأن الشارع لم ينصّ على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد؛ إذ كُلِّية هذا معلومة ضرورةً بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة، فلا يمكن والحالة هذه أن تُخرَم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكُلِّي، ويلغى الجزئي.

فإن قيل: الكُلِّي لا يثبت كُلِّيًا إلا من استقراء الجزئيات كلها، أو أكثرها، وإذا كان كذلك لم يمكن أن يفرض جزئي إلا وهو داخل تحت الكُلِّي؛ لأن الاستقراء قطعي إذا تم، فالنظر إلى الجزئيُ بعد ذلك عناء".

فالنظر إلى الجزئيِ.

"فالنظر إلى الجزئيِ بعد ذلك عناء".

يعني ما تحتاج أن تنظر للجزئي، الذين قعّدوا القواعد وحرروها وضبطوها وقرروها ما قرروها إلا بعد الاستقراء التام، فلا داعي لأن تنظر إلى الجزئيات، أراحوك منها، واختصروا لك الطريق، فلا داعي لأن تنظر إلى الجزئيات، لكن معرفة القواعد دون نظرٍ إلى الجزئيات لا شك أنه نظرٌ قاصر، ويعتريه من الخلل ما يعتريه؛ لأن القاعدة قد لا تُفهَم إلا بمفرداتها وجزئياتها. ولذلك تجدون أفضل كتب القواعد أكثرها جزئيات، أكثرها أمثلة وفروعًا وجزئيات.

"وفَرْضُ مخالفته غير صحيح، كما أنا إذا حصلنا من حقيقة الإنسان مثلاً بالاستقراء معنى الحيوانية لم يصح أن يوجد إنسان إلا وهو حيوان، فالحكم عليه بالكُلِّي حكم قطعي لا يتخلف، وُجِد أو لم يوجد، فلا اعتبار به في الحكم بهذا الكُلِّى من حيث إنه لا يوجد إلا كذلك، فإذا فُرِضَت المخالفة في بعض الجزئيات فليس بجزئي له كالتماثيل، وأشباهها. فكذلك هنا إذا وجدنا أن الحفظ على الدين، أو النفس، أو النسل، أو المال، أو العقل في الضروريات معتبرٌ شرعًا، ووجدنا ذلك عند استقراء جزئيات الأدلة حصل لنا القطع بحفظ ذلك، وأنه المعتبر حيثما وجدناه، فنحكم به على كل جزئي فُرِضَ عدم الاطلاع عليه، فإنه لا يكون إلا على ذلك الوزان".

يعني لا يمكن أن تجد نصًّا يخالف ما قُرِّر في حفظ الضرورات الخمس، اللهم إلا لوجود معارِض أو وصف طارئ يقتضي المخالفة.

"فإنه لا يكون إلا على ذلك الوزان لا يخالفه على حال؛ إذ لا يوجد بخلاف ما وُضِعَ، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] فما فائدة اعتبار الجزئي بعد حصول العلم بالكلي؟ فالجواب أن هذا صحيح على الجملة".

قد يقول قائل: الصحابة -رضوان الله عليهم- وصدر هذه الأمة الذين هم خيارها، هل هذه القواعد بهذه الكثرة وبهذا التنوّع معروفة عندهم؟ أو أنهم حفظوا نصوصًا استنبطوا منها أحكامًا؟ نعم حفظوا النصوص، وتلقوا الأدلة من مصادرها، واستنبطوا منها الأحكام، لو قال قائل: إننا لسنا بحاجة إلى كتب الأصول ولا كتب القواعد ولا كتب علوم القرآن ولا أصول الحديث، نأخذ النصوص من كتاب الله وصحيح السُّنَّة ونستنبط منها كما استنبطوا؛ لأن هذه العلوم حادثة محدثة، جاءت بعد صدر الأمة، بعد أئمة الإسلام وخيار الأمة.!!

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

نعم، الفهم عند الصحابة منضبط، ومعاشرتهم ومعاصرتهم ومخالطتهم للنبي -عليه الصلاة والسلام- تجعل عندهم من القرائن ما يحدد الفهم من النصّ، لكن مع طول الأمد، وبعد الزمان، واختلاط الأجناس، العرب بغيرهم، جعل الفهم قد ينِدّ أحيانًا عن المقصد الشرعي، والأمثلة على ذلك كثيرة في استنباطات أهل العلم من الأدلة، فالفهم له دور كبير في اختلاف أهل العلم، له دور كبير، ولذلك يحتاج إلى قواعد وضوابط تضبط لهم الفهم على ما جاء عن سلف هذه الأمة، وكلٌ أيضًا في تصنيفه على حسب فهمه، نعم.

"فالجواب: إن هذا صحيح على الجملة، وأما في التفصيل فغير صحيح، فإنه إن عُلِم أن الحفظ على الضروريات معتبر فلم يحصل العلم بجهة الحفظ المعينة، فإن للحفظ وجوهًا قد يدركها العقل، وقد لا يدركها، وإذا أدركها، فقد يدركها بالنسبة إلى حال دون حال، أو زمان دون زمان، أو عادة دون عادة، فيكون اعتبارها".

الحفظ حفظ النفس له وجوه، يدركها بعض الناس وقد يدركها العقل وقد لا يدركها، قد يكون حفظ الناس النفس بالقتل، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}[البقرة:179]، فكيف يعني قد يستشكل الإنسان أن من حفظ النفس إقامة الحدود، وقتل القاتل، ورجم المحصن من الزناة، وهكذا. هذا من حفظ النفس، لماذا؟ لأنه لو لم يُقتَل القاتل لجرُأ الناس على القتل، واستمرؤوه، وكثر فيهم، واستمرؤوه، وحصل ضياع الأنفس، فبقتل وبإزهاق روح واحدة، تُحفَظ نفوس الآلاف.

" فيكون اعتبارها على الإطلاق خرمًا للقاعدة نفسها، كما قالوا في القتل بالمُثقَّل: إنه لو لم يكن فيه قصاص لم ينسدّ باب القتل بالقصاص إذا اقتُصِرَ به على حالة واحدة، وهو القتل بالمُحَدَّد".

نعم إذا إذا قيل: إنه لا تقتل إلا بالمحدَّد بالسيف ونحوه، وقلنا: إن القتل بالمثقَّل ما هو بقتل، كل إنسان يعمد إلى صخرة أو إلى شيء كثير أو ...، ويقتل به، يقول: هذا والله، ما هو مُحدَّد، نعم.

 "وكذلك الحكم في اشتراك الجماعة في قتل الواحد".

نعم؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا يقتل الجماعة بالواحد؟ هل هذا من حفظ النفس الذي دعت إليه الشريعة يُقتل عشرة في واحد؟ نقول: نعم هذا من حفظ النفس؛ لأنه لو لم يقتل عشرة بالواحد لصار ذريعة إلى إزهاق نفوس كثيرة، كل من أريد قتله يجتمع عليه فئام من الناس يقتولنه ونقول: والله لا يقتل جماعة بواحد،.

"ومثله القيام في الصلاة مثلاً مع المرض، وسائر الرخص الهادمة لعزائم الأوامر والنواهي".

نعم هادمة لعزائم الأوامر والنواهي، هادمة لعزائم هذه الرخص، يعني إذا لم تصل قائمًا لم تستطع فقاعدًا، طيب القيام ركن من أركان الصلاة هدمته هذه الرخصة، توقيت الصلوات كل صلاة مؤقتة {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء:103]، هذا شرط من شرائطها، يهدمه الرخصة كالسفر والمرض ونحوهما.

"إعمالاً لقاعدة الحاجيات في الضروريات، ومثل ذلك المستثنيات من القواعد المانعة".

نعم أهل العلم يقولون: إن الضرورات تبيح ما حُرِّم بالنصّ، الضرورات تبيح ما حُرِّم بالنصّ، والحاجة تبيح ما مُنِع بالإلحاق والقواعد العامة، يعني ما فيه نصّ بذاته، والتكميليات هذه تبيح المسائل المكروهات وغيرها قد يحتاج إلى إليها في ارتكاب التكميليات، المقصود أنه قد يقول قائل: هناك حاجة، ما هناك ضرورة، أُبيح بها ما مُنع بالنصّ، الفطر في رمضان ممنوع بالنصّ، يسافر الإنسان فيُفطر هل السفر ضرورة؟ وهل حاجته إلى الطعام والشراب ضرورة؟ حتى يستبيح ما مُنع بالنصّ؟ نعم. ليس بضرورة، كيف يقولون: إن الضرورة تبيح ما منِع بالنصّ؟ دون الحاجة لا تبيح ما منع بالنصّ، يستثنى من ذلك ما ورد استباحته بنصّ، يعني لا نستطرد، نقول: والله السفر يبيح الفطر في رمضان، وليس ثمَّ ضرورة، بل قد لا يكون هناك حاجة؛ لأن بعض الناس إذا سافر يكون مرتاحًا أكثر من وجوده في بيته، وبين قومه وعشريته. نعم قد توجد حاجة، تدعو إلى الفطر أشد من حاجة السفر إلى الفطر، مشقة العمل مع طول الوقت وشدة الحر مثلاً، توجد الحاجة للفطر، لكن هل يستباح الفطر بمثل هذه الحاجة، وقد استبيح الفطر بما هو دونها؟

 لا، الحاجة لا تبيح من المحظورات المنصوص عليها إلا ما ورد فيه النصّ؛ لأنه يحصل خلط يقول بعض الناس: إذا سافرتْ لمدة ساعة بالطائرة تفطر، وأنت بمكان بارد ومريح، وقد يكون الجو باردًا، وأنت لا تحتاج إلى أكل ولا شرب، ويباح لك الفطر؛ لوجود الوصف المؤثر، وهو السفر، طيب هناك ظروف وأحوال أشد من هذا السفر، يباح فيها الفطر؟ إلا في الضرورات، ويبقى القصر على ما نُصَّ عليه في فيما دون الضرورات.

"ومثل ذلك المستثنيات من القواعد المانعة كالعرايا والقراض والمساقاة والسلم والقرض، وأشباه ذلك".

العرايا معروف إنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه إلا مع التساوي والتقابض، في العرايا يغتفر التساوي، نعم وهذه جاءت على خلاف الأصل كما يقرر أهل العلم للحاجة، ولولا النصّ لما استبحناها بمثل هذه الحاجة، والقراض الذي هو ماذا؟

طالب:...

المضاربة، والمساقاة، والسَّلَم والقرض، القرض ما وجه الإشكال فيه؟

طالب:...

نعم؟

طالب:...

نعم نقد بنقد من غير تقابض، لكنه ليس بعقد، وإنما هو إرفاق، وإنما هو إرفاق، لكن لو اتفقا على وقت معين، واشترطا زمنًا محددًا للدفع، يقترض زيد من عمرو مبلغًا من المال ويقول: أسدده لك على رأس السنة لمدة سنة، فاحتاج المقرض وذهب إلى المقترضقال: أريد القرض، كان شرطًا عليك، القرض يقبل التأجيل أم ما يقبل؟

طالب:...

عند الجمهور لا، عند الجمهور لا؛ لأنه لو قبِل صار ربا، عند الجمهور لا، مالك يقول: المسلمون على شروطهم، وشيخ الإسلام يرجح هذا القول؛ لأنه قد يتضرر المقترض، يقترض مئة ألف، ثم يشتري بها بضائع، فإذا جاءه المقرض اضطر أن يبيعها بخسارة، أو قد لا يجد من يشتريها، فيضطر إلى أن يستدين له، على كل حال قول الجمهور معروف، وقول المالكية معروف.

"فلو اعتبرنا الضروريات كلها لأخلّ ذلك بالحاجيات، أو بالضروريات أيضًا".

هذه المسألة حينما تقرض الدولة القروض المعروفة العقارية والصناعية والزراعية وغيرها، ثم تحتاج الدولة إلى أموال، هل لها أن تلزم المقترضين بالدفع قبل حلول الآجال؟ على قول الجمهور: لها ذلك؛ لأن القرض لا يقبل التأجيل، على قول الجمهور: لها ذلك؛ لأن القرض لا يقبل التأجيل؛ لأنه إذا قبل التأجيل بالمشارطة صار عين الربا، وعلى رأي مالك أبدًا ليس لهم ذلك، وشيخ الإسلام يؤيد هذا؛ لأن المسلمين على شروطهم؛ ولأنه قد يتضرر المقترض بمطالبته قبل ما اتفق عليه.

" فلو اعتبرنا الضروريات كلها لأخلّ ذلك بالحاجيات، أو بالضروريات أيضًا، فأما إذا اعتبرنا في كل رتبة جزئياتها كان ذلك محافظةً على تلك الرتبة، وعلى غيرها من الكليات، فإن تلك المراتب الثلاث يخدم بعضها بعضًا، ويخص بعضها بعضًا، فإذا كان كذلك، فلا بد من اعتبار الكل في مواردها، وبحسب أحوالها.

وأيضًا فقد يعتبر الشارع من ذلك ما لا تدركه العقول إلا بالنصّ عليه، وهو أكثر ما دلت عليه الشريعة في الجزئيات؛ لأن العقلاء في الفترات قد كانوا يحافظون على تلك الأشياء بمقتضى أنظار عقولهم".

لكن العقول قاصرة يعني بعض الناس في زمن الفترة يكون لديه عقل راجح يدرك به ما ينفع ويدرك به ما يضر ويميز بين المصالح والمفاسد فنجده ينكف ويكف من حوله من بعض المفاسد، ويغريهم ببعض ما فيه مصلحة، لكن مهما كانت العقول فإنها لا يمكن أن تستقل بتشريع،.

 "لأن العقلاء في الفترات قد كانوا يحافظون على تلك الأشياء بمقتضى أنظار عقولهم، لكن على وجه لم يهتدوا به إلى العدل في الخلق والمناصفة بينهم، بل كان مع ذلك الهرج واقعًا".

يعني مع وجود أصحاب العقول في أهل الفترة إلا أن القتل والهرج وما أشبه ذلك كله موجود، والفتن، والقلاقل والمحن كلها موجودة؛ لأنه لا يوجد ما يردع سوى العقل والعقل لا يستقل بمثل هذا، نعم.

"والمصلحة تفوت مصلحة أخرى".

نعم لأن صاحب هذا العقل قد يدرك المصلحة، لكن لا يستطيع في آنٍ واحد أن يوازن بينها وبين مصلحة أخرى التي قد تفوت بسبب ارتكابه هذا المصلحة، ولا شك أن مثل هذه الأمور والموازنة بينها مع كثرة المسائل، وتعدد وتشعّب القضايا فإن هذا لا يدركه إلا العليم الخبير، نعم.

"وتهدم قاعدة أخرى، أو قواعد فجاء الشرع باعتبار المصلحة والنَّصَفَة المطلقة في كل حين وفي كل حال، وبيَّن من المصالح ما يطَّرد، وما يعارضه وجه آخر من المصلحة، كما في استثناء العرايا، ونحوه فلو أعرض عن الجزئيات بإطلاق لدخلت مفاسدٌ ولفاتت مصالح، وهو مناقضٌ لمقصود الشارع؛ ولأنه من جملة المحافظة على الكليات؛ لأنها يخدم بعضها بعضًا، وقلما تخلو جزئية من اعتبار القواعد الثلاث فيها".

القواعد الثلاثة ما هي؟

طالب: الضروريات.

والحاجيات والتكميليات.

"وقد علم أن بعضها قد يعارض بعضًا فيقدم الأهم حسبما هو مبين في كتاب الترجيح والنصوص والأقيسة المعتبرة تتضمن هذا على الكمال. فالحاصل أنه لا بد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها، وبالعكس، وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق، وإليه ينتهي طَلَقهم في مرامي الاجتهاد".

يعني انطلاقهم في بنائهم المسائل، نعم. على أصولها، نعم.

"وما قُرِّرَ في السؤال على الجملة صحيح؛ إذ الكُلِّي لا ينخرم بجزئي ما، والجزئي محكوم عليه بالكُلِّي، لكن بالنسبة إلى ذات الكُلِّي والجزئي لا بالنسبة إلى الأمور الخارجة، فإن الإنسان مثلاً يشتمل على الحيوانية بالذات، وهي التحرُّكُ بالإرادة، وقد يفقد ذلك لأمر خارج من مرض، أو مانع غيره، فالكُلِّي صحيحٌ في نفسه، وكون جزئي من جزيئاته منعه مانع من جريان حقيقة الكُلِّي فيه أمر خارج، ولكن الطبيب إنما ينظر في الكُلِّي بحسب جريانه في الجزئي، أو عدم جريانه، وينظر في الجزئي من حيث يرده إلى الكُلِّي بالطريق المؤدي لذلك، فكما لا يستقل الطبيب بالنظر في الكُلِّي دون النظر في الجزئي من حيث هو طبيب، وكذلك بالعكس، فالشارع هو الطبيب الأعظم، وقد جاء في الشريعة في العسل أن فيه شفاءً للناس، وتبيَّن للأطباء أنه شفاء من علل كثيرة، وأن فيه أيضا ضررًا من بعض الوجوه حصل هذا بالتجربة العادية التي أجراها الله في هذه الدار، فقيَّد العلماء ذلك كما اقتضته التجربة بناءً على قاعدة كلية ضرورية من قواعد الدين، وهي امتناع أن يأتي في الشريعة خبر بخلاف مُخبَرِه، مع أن النص لا يقتضي الحصر في أنه شفاء فقط، فأعملوا القاعدة الشرعية الكلية، وحكموا بها على الجزئي، واعتبروا الجزئي أيضًا في غير الموضع  المعارض؛ لأن العسل ضار لمن غلبت عليه الصفراء، فمن لم يكن كذلك فهو له شفاء، أو فيه له شفاء، ولا يقال: إن هذا تناقض".

جميع ما جاء من الأغذية والأدوية التي جاءت عنه -عليه الصلاة والسلام-، وصحّ عنه في الخبر قد تكون نافعة، وهو الأصل لعموم الناس، لكن، وهي سبب، هي في الأصل سبب، ينتفع به الإنسان، لكنها كسائر الأسباب قد يعتريها مانع يمنع من حصول هذا الانتفاع، بل قد يوجد مضاد يجعلها ضارة بالنسبة لبعض الناس، يعني مريض الصفراء على ما قالوا، ومثله المريض بالسكري وما أشبه ذلك، قد يتضرر بالعسل، قالوا: إن الذي فيه ضغط شديد مرتفع قد يتضرر بالإكثار من ماء زمزم، فكون هذا الشيء ممدوحًا شرعًا هذا هو الأصل فيه، لكن قد يبقى أن الإنسان قد يتضرر بما ينفعه في الأصل، قد كان نافع له في أمد طويل، لكنه اعترى جسمه ما يجعله يخرج عن حيز الاعتدال، بزيادةٍ أو نقص، فصار يتضرر بما ينتفع به سابقًا، وهذا أمر معروف.

طالب: لكن سلمك الله يا شيخ، لما يجيء مثلاً في نص في الحبة السوداء شفاء إلا السام، يعني حصر أنها استغرقت كل شيء إلا..

لكن إذا استعملت باعتدال، إذا استعملت بكثرة؟

طالب: هنا تفريط من حيث الاستخدام، لكن...

على كل حال صارت ضارة؛ لأن الأدوية يُنظر إليها من زوايا لذاتها، ولما يضاف إليها وأيضًا لوقتها، وللمعالَج بها، وما يعارضها عند المُعالَج، النظر من أحوال كثيرة.

طالب:...

لا، الأصل التعميم، الأصل التعميم، ويبقى أنها سبب، فإذا وُجِد المعارض تخلَّف المُسبَّب مع وجود السبب نعم.

"ولا يقال إن هذا تناقض؛ لأنه يؤدي إلى اعتبار الجزئي، وعدم اعتباره معًا؛ لأنَّا نقول: إن ذلك من جهتين".

نعم الجهة منفكة، يعني ليست جهة واحدة ليقال: تناقض، وإنما هو باعتبار نافع وباعتبار ضار.

"ولأنه لا يلزم أن يُعتَبَر كل جزئي، وفي كل حال، بل المراد بذلك أنه يعتبر الجزئي إذا لم تتحقق استقامة الحكم بالكُلِّى فيه كالعرايا، وسائر المستثنيات، ويعتبر الكُلِّي في تخصيصه للعام الجزئي".

أو العكس أو العكس.

طالب: نعم، "ويعتبر الكلي في تخصيصه للعام"

الجزئي. أو العكس، يعني هل الكُلِّي خاص والجزئي عام أو العكس؟ العكس، نعم.

"أو تقييده لمطلقه، وما أشبه ذلك بحيث لا يكون إخلالاً بالجزئي على الإطلاق، وهذا معنى اعتبار أحدهما مع الآخر، وقد مر منه أمثلة في أثناء المسائل، فلا يصح إهمال النظر في هذه الأطراف، فإن فيها جملة الفقه، ومن عدم الالتفات إليها أخطأ من أخطأ، وحقيقته نظر مطلق في مقاصد الشارع، وأن تتبع نصوصه مطلقة، ومقيدة أمر واجب.

فبذلك يصح تنزيل المسائل على مقتضى قواعد الشريعة، ويحصل منها صور صحيحة الاعتبار، وبالله التوفيق.

يكفي يكفي، يقول: يلاحظ على بعض أهل العلم أنه يطرد في بعض القواعد التي ليست محل اتفاق، وتجده يضعف بعض الأحاديث التي تقبل التحسين؛ لكي يصحح قاعدته، ويطرد عليها، فهل هذا مسلك صحيح؟ هذا ليس من مسالك أهل العلم المعتبرين، وإنما قد يوجد في بعض المقلدين، ممن يحرص على تضعيف الخبر، وإن كان قابلاً للتحسين، أو يلوي النصّ، بفهمٍ غير متبادِر، من أجل أن يوافق قاعدة في مذهبه، أو قولًا لإمامه.

 والله أعلم.

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك.