تمييز الأسماء المهملة في الإسناد كـ(حمّاد) و(سفيان)

الفتاوى الصوتية

عنوان الفتوى: 
تمييز الأسماء المهملة في الإسناد كـ(حمّاد) و(سفيان)
تاريخ النشر: 
أحد 10/ جمادى الآخرة/ 1437 7:30 م
مصدر الفتوى: 
برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة العاشرة بعد المائة 6/12/1433هـ
تصنيف الفتوى: 
مصطلح الحديث
رقم الفتوى: 
6024

محتوى الفتاوى

سؤال: 

يرد في إسناد بعض الأحاديث (حمّاد) غير منسوب، وكذلك (سفيان)، ويكثر هذا في الأسانيد، كيف أميّز بين هذه الأسماء المهملة؟ 

الجواب: 

من أشهر ما يشترك فيه الرواة من هذا النوع من هو مهمل من غير نسبة إلى أبيه، ويحصل اللبس على طالب العلم في ذلك، لاسيما بين حمّاد بن زيد، وحمّاد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري؛ لاشتراكهما في كثير من الرواة والشيوخ، ويصعب التمييز بين هذين وهذين، لكن الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- في آخر المجلد السابع من (سير أعلام النبلاء) ذكر بعض الآخذين عن هذا والآخذين عن هذا، ومن أخذ عنهم هذا وأخذ عنهم ذاك، ثم ذكر بعض ما يفيد طالب العلم في هذا الباب، فقال -رحمه الله-: (فصل: اشترك الحمّادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعًا جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حمّاد لم ينسبه فلا يُعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عري السند من القرائن -وذلك قليل- لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدره ابن سلمة ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم؛ إذ مسلم قد احتج بهما جميعًا). يعني من باب الاحتياط، وعلى كل حال أينما دار بين الحمادين فقد دار على ثقة، يعني إذا لم نستطع التمييز بينهما افترض أنه ابن سلمة، وهو على شرط مسلم، وعلى كل حال مثل هذا الاختلاف بين الثقتين لا يضر، وكذلك بين السفيانين، لكن من أراد أن يميز فليتمثل ما قاله الحافظ الذهبي هنا. يقول: (فمن شيوخهما معًا: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد ...)، إلى أن عدد قال: (وحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال)، فأنت افترض أنه وجد في سند: حماد يروي عن أنس بن سيرين ويروي عنه عبد الرحمن بن مهدي، وهو (حماد) غير مميز، فإذا رجعت إلى ترجمة حماد بن زيد وجدتهما أنس بن سيرين من شيوخه، وعبد الرحمن بن مهدي من تلاميذه الآخذين عنه، وكذلك لو رجعت إلى ترجمة حماد بن سلمة وجدت الشيخ والتلميذ، يقول: إذا أردت أن تنزل إلى القدر المتفق عليه وهو الحد الأدنى فاجعله حماد بن سلمة، إذ قد احتج بهما مسلم جميعًا، فيكون على شرط مسلم؛ لأنك إذا ترددت بين أمرين أعلى وأدنى فالأحوط أن تجعله الأدنى؛ لأن الحد الأدنى قدر مشترك ومتفق عليه، كما يقول الأصوليون: (الأخذ بالأقل هل يعتبر إجماعًا أو لا؟)، وفي باب الشهادات إذا جاء شاهد وقال: (في ذمة زيد لعمرو خمسمائة ريال)، ثم جاء شاهد ثانٍ وقال: (في ذمة زيد لعمرو سبعمائة ريال)، فالخمسمائة هذه قدر مشترك بينهما، فأنت إذا جعلته حماد بن سلمة فأنت على الحد المتفق عليه، ومثل ذلك في الأسانيد إذا تردد الراوي هل سمع معه أحد فيقول: (حدثنا)، أو سمع بمفرده فيقول: (حدثني)، منهم من يقول: يقول: (حدثني)؛ لأن وجوده متحقق ومقطوع به، ووجود غيره مشكوك فيه، ومنهم من يقول: لا، بل (حدثنا)؛ لأن (حدثني) أقوى من (حدثنا) فيقتصر على الأقل الذي هو (حدثنا)؛ لأنه في حالة إفراده بالتحديث يكون مخصوصًا بالتحديث وهذا أقوى من كونه يدخل في عموم السامعين.

قال: (والحفاظ المختصون بالإكثار وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحِبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمر بن عاصم. والمختصون بحماد بن زيد -يعني الذي يغلب على الظن، أو إذا وجدناهم في إسناده حكمنا بأنه ابن زيد أو ابن سلمة-والمختصون بحماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن المديني، وأحمد بن عَبدة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي...) إلى آخر ما ذكره -رحمه الله-، فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن حماد وأبهمه علمت أنه ابن زيد؛ لأنه متأخر عن ابن سلمة، وسيأتي نظيره في السفيانين؛ لأن سفيان بن عيينة متأخر عن سفيان الثوري، ولذا جعلوا من القرائن التي يفسَّر بها ابن عيينة أو الثوري أن يكون بين سفيان وأصحاب الكتب الستة راو واحد، وحينئذٍ يفسَّر المبهم بسفيان بن عيينة؛ لتأخره وقربه من أصحاب الكتب، وإذا كان راويان فأكثر فيفسر بسفيان الثوري؛ لتقدمه وبعده من أصحاب الكتب.

وقال: (فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن حماد وأبهمه علمت أنه ابن زيد، وأن هذا لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما فقال: (حدثنا حماد) وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو؟ فإذا رأيته من شيوخهما على الاشتراك ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به، ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه -وهذه أيضًا من القواعد التي يحتاج إليها-، وكذلك يفعل حجاج بن منهال، وهدبة بن خالد. فأما سليمان بن حرب فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: (حدثنا حماد) فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: (حدثنا حماد) فهو ابن سلمة، فهو راويته -والله أعلم-.

ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى فقال: (حدثنا سفيان) وأبهم، فهو الثوري، وهم: كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم. فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بيّنه، فأما الذي لم يلحق الثوري وأدرك ابن عيينة فلا يحتاج أن ينسبه؛ لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس) كذا قال الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى-، وهي قاعدة نافعة جدًا لمن أراد التمييز في الأسماء المهملة بين الحمادين والسفيانين.

وهناك كتب في تمييز المهمل، للجياني وغيره من أهل العلم، المقصود أنها مخدومة والشراح بيّنوا، وكثيرًا ما يرد الإهمال في (صحيح البخاري) والمقصود به إهمال الرواة من غير نسبة، ليس معناه الإهمال بالمعنى العرفي الذي هو التضييع وعدم الاهتمام، لا، المهمل: الراوي الذي لم يُبين نسبه، يقال فقط: فلان، كأن يقال: (محمد)، ثم بعد ذلك الشراح قد يقفون على طرق أخرى يتميز بها هذا المهمل أو يستغلق عليهم، ومادام في (الصحيح) فأينما دار فشيوخ البخاري كلهم ثقات، ومنهم أكثر من محمد، ويختلفون في تمييز المهمل بأحدهم، وفي مثل هذه الحالة نقول: أينما دار فهو على ثقة، ولا نحتاج أن نتوقف في الحكم على الحديث؛ لأن رواة (الصحيح) جازوا القنطرة، فكلهم ثقات.