موافقة الذهبي في (التلخيص) لما صححه الحاكم

الفتاوى الصوتية

عنوان الفتوى: 
موافقة الذهبي في (التلخيص) لما صححه الحاكم
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 25/ ربيع الأول/ 1440 5:30 م
مصدر الفتوى: 
برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة الخامسة والعشرون بعد المائة 21/3/1434ه
تصنيف الفتوى: 
مصطلح الحديث
رقم الفتوى: 
8984

محتوى الفتاوى

سؤال: 

موافقة الذهبي في التلخيص لما صححه الحاكم في مستدركه هل هي بالنص على ذلك أم بمجرد سكوته على الحديث؟ وهل ذَكَر أن سكوته بمثابة الموافقة؟

الجواب: 

(المستدرك على الصحيحين) لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري من الكتب الحديثية الموسعة المشتملة على قدر كبير من الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين، فيصفو منه قدر كبير صحيح، وفيه أحاديث كثيرة جدًّا ضعيفة تساهل فيها الحاكم، وهو واسع الخطو في التصحيح وفي توثيق الرواة، وأهل العلم يتعاملون معه على هذا الأساس، بل فيه بعض الموضوعات، وعمله نقيض عمل ابن الجوزي في موضوعاته، فالحاكم في (المستدرك) صحح أحاديث كثيرة وهي ضعيفة، وابن الجوزي في (الموضوعات) ضعَّف أحاديث كثيرة وهي مقبولة: حسنة أو صحيحة، بل ضعَّف حديثًا في (صحيح مسلم) وفي (صحيح البخاري) على رواية حمَّاد بن شاكر، وضعَّف أحاديث من قبيل الحسن وهي كثيرة.

ويقول أهل العلم: إن الضرر الحاصل بسبب (مستدرك الحاكم) نظير الضرر الحاصل بسبب تشدد ابن الجوزي في موضوعاته، فالحاكم يجعل المسلم يعمل بحديث غير صحيح، وابن الجوزي يجعل المسلم يترك العمل بحديث ثابت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكلاهما ضرر.

إذا عرفنا هذا فالحاكم أحيانًا يقول: (صحيح على شرط الشيخين)، وأحيانًا يقول: (صحيح على شرط البخاري)، وأحيانًا يقول: (صحيح على شرط مسلم)، وأحيانًا يقول: (صحيح) فحسب، لا على شرْط واحدٍ منهما. فحينما يكون الرواة للحديث مخرَّجًا لهم في (صحيح البخاري) يقول: (صحيح على شرط البخاري)، وإذا كان الرواة للحديث مخرَّجًا لهم في الصحيحين قال: (صحيح على شرطهما)، وإن كان الرواة مخرَّجًا لهم في (صحيح مسلم) أو لبعضهم وليس بعضهم في (البخاري) قال: (صحيح على شرط مسلم)، وهكذا، وإذا كان صحيحًا من وجهة نظره برواة لم يخرج لهم الشيخان قال: (صحيح) فحسب.

وعلى هذا فقول الحاكم: (على شرطِهما)، شرطُهما: رواتهما، كما قرر ذلك أهل العلم، ولذلك لما روى حديثًا من طريق أبي عثمان قال: (صحيح الإسناد –فحسب- وأبو عثمان هذا هو مولى المغيرة وليس بالنهدي، ولو كان النهدي لحكمت بصحته على شرط الشيخين)، وليتَه وفَّى بما التزم به، حيث صحح أحاديث ضعْفها ظاهر، بل صحح أحاديث موضوعة، جرى على هذا في كتابه، وإن كانت نظافة الأسانيد والأحاديث في الربع الأول أفضل بكثير من آخره؛ لأنه تسنَّى له مراجعته بخلاف ثلاثة الأرباع الأخيرة فإنه لم يتسنَّ له مراجعتها فكثُر فيها الضعيف؛ وهو واسع الخطو في التصحيح.

والحافظ العراقي لما ذَكر ما يُؤخذ منه الأحاديث الصحيحة الزائدة على الصحيحين قال:

وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصُّ

 

صِحَّتُهُ أوْ مِنْ مُصَنِّفٍ يُخَصُّ

بِجَمْعِهِ نَحوَ ابْنِ حِبَّانَ الزَّكِيْ

 

وَابنِ خُزَيْمَةَ وَكَالمُسْتَدْرَكِ

عَلى تَسَاهُلٍ، وَقَالَ: مَا انْفَرَدْ

 

بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّْ

ابن الصلاح بناءً على ما قعَّده من انقطاع التصحيح والتضعيف في العصور المتأخرة جعل مثل هذه الأحاديث عند الحاكم وعند غيره من الأئمة مما لم يُحكم عليه في غير الصحيحين جعلها من قبيل الحسن، فهو حكم مقطوع به ومجزوم به؛ لأن التصحيح والتضعيف انقطع في العصور المتأخرة.

قال الحافظ العراقي:

عَلى تَسَاهُلٍ، وَقَالَ: مَا انْفَرَدْ

 

بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّْ

بِعِلَّةٍ، وَالحقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا

 

يَليْقُ،.........................

الحق أن يحكم على كل حديث بما يليق به، ولا يُحكم بحكم مطَّرد فيقال: حديث حسن، لمجرد أن الحاكم رواه في مستدركه أو ابن حبان أو ما أشبه ذلك! هؤلاء متساهلون.

..... وَالحقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا

 

يَليْقُ، والبُسْتِيْ يُدَانِي الحَاكِما

ابن حبان في التساهل قريب من الحاكم، لكنه على كل حال أجود منه وأنظف، وأفضل الثلاثة: ابن خزيمة.

لما لَحظ أهل العلم -ومنهم الحافظ الذهبي- هذا في (مستدرك الحاكم) من التساهل وعدم الانضباط على القواعد المعروفة عند أهل العلم، وصحح لمن لا يجوز التصحيح له ممن لم يصل إلى حد من يقبل حديثه، انبرى لهذا الكتاب وذَكَرَ موافقتَه لما صححه، واستدرك عليه، فإذا صحح وقال: (صحيح على شرطهما) قال الذهبي: لا، ليس بصحيح، فإن فلانًا لم يُخرِّج له البخاري. وفلان ضعيف. بل فلان شديد الضعف، هذا كثير في أحكام الحافظ الذهبي على (مستدرك الحاكم)، وفي كثير من الأحيان أيضًا يسكت ولا يستدرك على الحاكم، من العلماء من يقول: إن هذا السكوت موافقة، ومنهم من يقول: لا تؤخذ الموافقة حتى يتكلم، والواقع يشهد بذلك؛ لأنه سكت عن أحاديث كثيرة فيها ضعف، ولا يُنسب لساكتٍ قول، فلعله سكت لينظر في الحديث أو لعله يجد له شاهدًا أو طريقًا أخرى؛ ليصل إلى ما يوافق ما حكم به الحاكم. المقصود أن الحافظ الذهبي سكت عن أحاديث ضعيفة وليست بالقليلة، فلا يكفي سكوته حتى يصرِّح، ونعود إلى القاعدة التي ذكرها الحافظ العراقي في ألفيته من قوله:

..... وَالحقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا

 

يَليْقُ، والبُسْتِيْ يُدَانِي الحَاكِما

فنحكم على الأحاديث بما يليق بها، ولو صححها الحاكم ولو وافقه الذهبي، فهما ليسا بمعصوميْن وإن كانا من أهل العلم ومن أهل الحديث، ومع ذلكم النسخة الموجودة المتداولة من (مستدرك الحاكم) المطبوعة بالهند كثيرة الخطأ والتصحيف والتحريف، ومع الأسف أنه إلى الآن لم يخرج إلى النور نسخة صحيحة موثقة، وإن كانت الجهود مبذولة لتحقيقه من أكثر من جهة لكن إلى الآن ما خرج شيء -والله أعلم-.