توجيه لمن فُتنوا بالمال والمضاربات بالأسهم

السؤال
ما توجيهكم للذين فُتنوا بالمال، خاصة بعد ظهور المساهمات وما فيها من أمورٍ مشتبهة أو محرمة؟
الجواب

أقول: هؤلاء الذين آثروا الدنيا على الآخرة، ولا شك أن الدنيا ضَرَّة بالنسبة للآخرة، والإيغال فيها مؤثِّر فيما يُقرِّب إلى الله -جل وعلا-، فإن آثر دنياه أضر بآخرته، وإن آثر آخرته لا شك أنه يتضرَّر في دنياه، لكن قد يوفَّق لعملٍ لا يحتاج منه إلى جهدٍ إذا التفتَ إلى آخرته والمتاجرة مع ربه، ومَن يُؤثِر هذه الدنيا ويكسب فيها من الحطام ما يكسب، واليوم يكسب وغدًا يخسر، وإذا كسب كسب عشرة بالمائة أو عشرين بالمائة، وهو في أمور الآخرة: الحسنة بعشر أمثالها، ألف بالمائة، مَن يتخيَّل هذا؟! ففي أسبوع وهو مرتاح بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس يقرأ القرآن ويحصل على ثلاثة ملايين حسنة، على أقل تقدير، إلى أضعافٍ كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومثل هذا العمل لا يعوقه عن شيء من أمور دينه ولا دنياه، فإذا انتشرت الشمس صلى ما كُتب له: ركعتين، أو أربعًا، أو ستًّا، أو ثمانيًا، فيرجع بوافر الأجر والثواب من الله -جل وعلا-.

أما من انصرفوا إلى أمور الدنيا، وهذا لوحظ وظهر أثره على أبدان الناس وعقولهم، فضلًا عن أديانهم، أما تأثيره على الأديان فقد مرَّ بنا وبغيرنا أيضًا من طلاب العلم ممن كان يلازم الدروس، وأموره بالنسبة للدنيا ماشية ليس عنده مشكلة، ثم بعد ذلك انقطع بالكلية عن التعلم، وقد لازم العلماء عشرات السنين، ثم بعد ذلك في سنة أو سنتين رجع شبه العامي!

يا أخي أنت حفظتَ القرآن وتعبتَ عليه، وفي سنتين أو ثلاث تنسى القرآن، أي كارثة مثل هذه الكارثة؟! ولو سيقت لك الدنيا بحذافيرها، والدنيا إذا علمنا حقيقتها، وأنها ملعونة ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعرفنا أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، فكيف نُؤثِر الأدنى على الأعلى؟!

والذي يعرف حقيقة الدنيا مثل: سعيد بن المسيب -رحمه الله-، لمَّا جاءه الوسيط من ابن الخليفة يخطب ابنته ويقول له: (جاءتك الدنيا بحذافيرها، هذا ولد الخليفة يخطب بنتك)، وسعيد بن المسيب من العلماء الراسخين، وهو أفضل التابعين عند الإمام أحمد -رحمه الله-، وإن كان القول المرجح أن أفضل التابعين أويس -رحمه الله-؛ للنص الصحيح، أما من جهة العلم فلا شك أن سعيدًا أعلم من أويس، لكن يبقى أنه أفضل التابعين عند الإمام أحمد، وتفضيله له وجه، وإن كان الحديث الصحيح يُرجِّح أويسًا القرني، فسعيد لما قيل له: (جاءتك الدنيا بحذافيرها)، ماذا كان ردُّه؟ قال: (إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، فماذا تُرى يُقصُّ لي من هذا الجناح؟!)، الخليفة بنفسه ماذا سيقص لي من هذا الجناح؟ ومع ذلك يزوِّج هذه البنت الصالحة العابدة العالمة أفقرَ واحدٍ من طلابه، مَن لا يجد المهر، ويجهِّزها له، ويزفُّها إليه وهو في بيته! هذا الذي يعرف حقيقة الدنيا، أما إذا لوَّحتْ لنا الدنيا بجناحٍ مظلم نتبعها، ونترك الآخرة! بعض طلاب العلم نسوا القرآن، ومنهم مَن صلى صلاة الظهر وجهر بالقراءة، وأمَّنوا خلفه، هل هذه حياة؟! نسأل الله السلامة والعافية، فالأمر خطير، هذا بالنسبة للأثر على الدين.

أما الأثر على الدنيا فقُطعت الأرحام، وتُرك الآباء والأمهات، فما يزارون من أجل هذه الأسهم، وحصل الخلل في العقول، ومات بعض الناس بجلطات، ومنهم من جُنَّ، هذه أمور حقيقةً تعطي دروسًا، ولكن مع الأسف أنهم لو رُدُّوا لعادوا، فلو ارتفعتْ هذه الأسهم رجعوا ثانيةً، وليس بأعجب ممن لو أُدخلوا النار وخرجوا منها ورُدُّوا لعادوا، كما أخبر الله -جل وعلا-، وإلا فقبل سنتين تعرفون الكارثة التي حصلت، وأُدخل المستشفيات بسببها عدد كبير، وصار كثير من المستشفيات لا تَقبل؛ لكثرة من أُصيبوا، ثم بعد ذلك عادوا، وهذه الكارثة أعظم منها، ولو رُدُّوا لعادوا، والله المستعان.

فعلى الإنسان أن يقتصد في أمر دنياه، ويكفيه منها البُلغة، ولا يعني أنه يعيش يتكفَّف الناس ويسألهم من أموالهم، لا، فالله -جل وعلا- يقول: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]، لكن لا تعكس المسألة، فتستغرق في أمور دنياك، ثم يقال لك: لا تنسَ نصيبك من الآخرة! فالتوازن لا بد منه في حياة المسلم، والله المستعان.