الحكمة من تذييل آية الصيام بالتقوى

السؤال
في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، ما سر تذييل هذه الآية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
الجواب

العبادات كلها مما يتقرب إلى الله -جل وعلا- به من صلاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وغيرها من العبادات الهدف منها تحقيق العبودية التي من أجلها خُلق الإنس والجن، وتحقيق العبودية يكون بتقوى الله -جل وعلا- بفعل الواجبات وترك المحرمات، والعبادات إذا أُدِّيتْ على الوجه المأمور به الوارد عن الشرع سواء في الكتاب أو في السنة لا بد أن يكون مآل صاحبها إلى تحقيق التقوى، فإذا صام الإنسان صومًا شرعيًّا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وحفظ صيامه من أن يخدشه؛ لأنَّ «الصوم جُنَّةٌ ما لم يخرقها» [النسائي: 2233] فلا شك أن مآله إلى التقوى- بإذن الله-، وإذا وُجد من يصوم في النهار ويعصي في الليل فلا بد أن تَجد الأثر في هذا الصيام وأنه ليس على الوجه الشرعي المطلوب، والصلاة التي لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لا بد أن يكون فيها خلل، وقل مثل هذا في الحج {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: ٢٠٣]، بهذا القيد، فمتى يرتفع الإثم عن الحاج ويعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه؟ إذا اتقى في حجه «من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» [البخاري: 1521]، والصلاة التي تُؤدَّى على الوجه الشرعي «صلوا كما رأيتموني أصلي» [البخاري: 631] لا شك أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن إذا وُجدت الفحشاء والمنكر في سلوك بعض المصلين لا بد أن يكون هذا ناشئًا عن خلل في هذه العبادة، وقل مثل هذا في الصيام، وقل مثل هذا في الحج، لا بد أن يكون هناك خلل في أداء هذه العبادة، في كيفيتها، في صورتها الظاهرة، أو في معناها الباطن، لا بد أن يكون الإخلاص فيه شيء أو في المتابعة، أما إذا أُدِّيتْ بشرطيها اللذيْن لا بد منهما لتحقق القبول فإنَّه لا بد أن تكون النتيجة تحقيق التقوى، فإن الإنسان إذا اتقى الله -جل وعلا- لا شك أن عبادته حينئذٍ تكون قد ترتَّبتْ عليها آثارها والثمرة التي أُنيطتْ بها، فبعض الناس يستدل بقوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى}، يقول: إن التأخر أفضل؛ لأنه قُرن بالتقوى، نقول: لا، هذا الكلام ليس بصحيح، {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} إن اتقى الله -جل وعلا-، يعني يرتفع عنه الإثم إذا اتقى الله -جل وعلا- في حجه ولو تعجَّل، وإن تأخر فلا إثم عليه إذا اتقى الله -جل وعلا-، فـ{لِمَنِ اتَّقَى} هذا القيد مُتعقِّب لجملتين هو ملحوظ فيهما معًا، ولا يقال: إن التقوى مقرونة بمن تأخر دون من تقدم، فيكون معنى الآية مطابقًا وموافقًا لمعنى الحديث: «من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}، يعني ارتفع عنه الإثم إذا كان حجه مقرونًا بالتقوى سواء تعجَّل أو تأخر، ويؤخذ تفضيل التأخر إلى اليوم الثالث مِن فعله -عليه الصلاة والسلام- وأنَّه تأخر.