علاج ضعف الهمة في طلب العلم

السؤال
ما علاج ضعف الهمة في طلب العلم رغم أنني كنتُ ذا همة عالية؟
الجواب

العلم لا سيما الشرعي الموروث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي جاءت نصوص الكتاب والسنة بمدحه والحث عليه لا شك أنه يحتاج إلى صبر ويحتاج إلى معاناة، وهذا خلاف ما تهواه النفوس؛ طردًا لما حُفَّتْ به الجنة من المكاره، وهو من الطرق الموصلة إلى الجنة، بل من أقربها، وهو المصحِّح للعبادات والمعاملات، ومَن عرف قدر ما يطلب هان عليه في سبيله بذل الغالي والرخيص، وبذل النفس والنفيس، وتحمُّل الشدائد في تحصيله وتعب النهار وسهر الليالي. وعلى طالب العلم أن يديم النظر في النصوص -نصوص الكتاب والسنة- التي تحثُّه وتحضُّه على طلب العلم، وما جاء في فضله، وما جاء في فضل العلماء {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، والدرجات المراد بها درجات الجنة التي بين كل درجتين منها مثل ما بين السماء والأرض، فليست المسألة سهلة، وليست المسألة درجة من درجات الوظائف والترقِّي فيها، المسألة درجات الجنة، وجاء في ذلك نصوص كثيرة، ومَن نظر في سير أهل العلم في تحملهم الشدائد وصبرهم على التحصيل والسفر من أجل حديث واحد، والرحلة في البحث عنه لمدة شهر، كما سافر ورحل جابر إلى عبد الله بن أُنيس –رضي الله عنهما- من أجل حديث واحد لمدة شهر، والرحلة عند أهل العلم لا شك أنها تتطلب تعبًا وعناءً شديدًا، والمواصلات ليست مواصلات اليوم، بل على الإبل وغيرها من وسائل الانتقال السابقة في الظروف القاسية من الحر الشديد والبرد الشديد، كل هذا سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها من أجل تحصيل العلم، ونحن بين أيدينا العلم سهل ميسَّر موجود في كتب في صفحاتٍ تقلِّبها، ولو نظرتَ إلى الوعاء الذي يُكتب فيه العلم قبل اختراع الورق لعرفتَ أننا نتقلب في نعم عظيمة، تُكتب الآيات على الحصى، وعلى كَرَب النخل واللُّخُف والعُسُب، والجلود، ونحن نتقلب في نِعم، تُكتب لنا الكتب: المصحف في مجلد واحد لا يصل إلى كيلو واحد، والكتب الستة تُطبع في مجلد واحد، وغير ذلك من الأمور التي تيسَّرتْ لنا مما لم يتيسر لغيرنا، والأنوار الكاشفة، ولا فرق بين ليل ولا نهار، تستطيع أن تقرأ وتحفظ في جوٍّ لطيف في نور مناسب، والله المستعان، بعد أن عانى السلف من هذه الأمة وأئمتها الشدائد في تحصيل العلم، لا يستطيعون أن يقرؤوا بالليل إلا إذا كانت الليلة مُقمِرة، ومَن منهم يوجد عنده إضاءة مناسبة؟! والله المستعان، ولكن "لا يستطاع العلم براحة الجسم" [مسلم: 612] كما قال يحيى بن أبي كثير، وإذا قرأنا في سير الأئمة وسير أهل العلم، ولنأخذ مثالًا في كتاب (سير أعلام النبلاء) للحافظ الذهبي ونقرأ فيه في تراجم أهل العلم الكبار نجد أنهم تعبوا على تحصيل العلم، فإذا فترتْ همة طالب العلم فلينظر إلى سيرهم، إضافة إلى ما قدمناه من النظر في نصوص الكتاب والسنة التي تحث على تحصيل العلم وضبطه وتأصيله.

وإن نظرنا في تاريخ التعلُّم وجدنا أنه في أول الأمر نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الكتابة، ففي حديث أبي سعيد –رضي الله عنه-، قال -عليه الصلاة والسلام-: «لا تكتبوا عني، ومَن كتب عني غير القرآن فليمحه» [مسلم: 3004]، من أجل أيش؟ أن يعاني الناس الحفظ فيحفظوه في صدورهم، ثم رُخِّص في الكتابة، وتراخى الناس في الحفظ، ثم بعد ذلك تدرَّج الأمر إلى أن وُجدت الطباعة، وضعف أيضًا التحصيل من جراء ذلك وإن تيسَّر الأمر، ثم استمر الحال إلى أن وُجدتْ هذه الأجهزة التي تحفظ من العلم على شيء يسير جدًّا تحفظ عشرات الألوف من المعلومات، والألوف المؤلفة من الكتب، وبضغطة زرٍّ يتيسَّر لك كل ما تريد، لكن هل العلم في صدور الناس وفي قلوبهم ثباته مثل ما كان عند السابقين؟! من هنا يتحقق قول يحيى بن أبي كثير: "لا يُستطاع العلم براحة الجسم"، فلا بد فيه من التعب، والإمام مسلم لما أورد كلام يحيى بن أبي كثير في ثنايا أحاديث مواقيت الصلاة، الشُّرَّاح أعيتهم المناسبة، لماذا جاء الإمام مسلم بهذا الأثر في أثناء أحاديث مواقيت الصلاة: وقال يحيى بن أبي كثير: "لا يستطاع العلم براحة الجسم"، عبث؟! أشار بعضهم أن هذا ليس من العبث، بل الإمام مسلم أعجبه ما أورده من روايات، ومِن تصرُّف الرواة في سياق المتون والأسانيد، فمثل هذا السياق وهذا الترتيب لهذه المتون وهذه الأسانيد لا يمكن أن يأتي مع راحة البدن، لا بد من التعب؛ لأن الشيء الذي يُؤخذ براحة وبسهولة وبسرعة يُفقد بسرعة، الآن أنت بضغطة زر تقف على عشرين طريقًا لحديث واحد، أو عشرين قولًا في راوٍ واحد، لكن ما الذي يبقى في قلبك وفي صدرك وفي حفظك من هذه الأقوال إذا أغلقتَ الجهاز؟ بخلاف ما لو قرأتَها في كتاب، أو نسختَها من كتاب، أو سافرتَ من أجلها، أو ردَّدتَها وكرَّرتَها، كلُّ هذا يختلف.

فعلى طالب العلم أن يُعنى ويهتم بالعلم وتحصيله ويتعب عليه؛ لأنه فرق بين أن تشتري كتابًا مطبوعًا، وبين أن تنسخه من نسخة تستعيرها مِن أحد، فرق بين هذا وهذا، فالكتابة أَثْبَت في القلب من مجرد القراءة، والموضوع يحتاج إلى بسطٍ، وفيه أيضًا دروس ومحاضرات، وطُرِق مرارًا، ونكتفي بهذا، والله أعلم.