تفسير ابن كثير - سورة آل عمران (9)

 
 
 
 
 
 

علوم يستهين بها كثير من طلاب العلم

عنوان الدرة: 
علوم يستهين بها كثير من طلاب العلم
مصدر الدرة: 
محاضرة: المنهجية في قراءة الكتب وجرد المطولات
التصنيف: 
طلب العلم

محتوى الدرة

هناك علوم يستهين بها كثير من طلاب العلم، وكثير منها لا شك أنه ليس من متين العلم؛ بل هي من ملحه، ككتب التاريخ مثلاً، إذا قرأ الطالب في كتب التاريخ لا شك أنها فيها شيء من المتعة والاستجمام؛ لأنك إذا انتقلت من أصول الفقه إلى النحو، ورجعت إلى التفاسير، عدت إلى كتب شروح الحديث، لا شك أن الذهن يحتاج إلى شيء من الاستجمام فيحصل الاستجمام بكتب التواريخ، وكتب الأدب.

كتب التواريخ إضافة إلى الاستجمام فيها العظة والاعتبار؛ لأن السنن الإلهية واحدة لا تتغير؛ فالأسباب التي أهلك بسببها الأمم يهلك فيها غيرهم، السنن لا تتغير ولا تتبدل، ولم يستثنِ من ذلك؛ إلا قوم يونس، وأما من عداهم إذا توافرت الأسباب حقت الكلمة.

فماذا عما  لو قرأنا في تاريخ ابن كثير -رحمه الله- في الأمم الماضية واللاحقة، في الأمم التي قبل الإسلام، والدول التي جاءت بعد الإسلام، لوجدنا أن كثيراً من بلدان المسلمين يحذو حذو تلك الأمم التي حقت عليها الكلمة، وحصل ما حصل في بعض البلدان من الأسباب ما حصل، والنتائج حصل فيها ما حصل، في العصر الذي نعيشه، وما أشبه الليلة بالبارحة، وإذا كنا نقرأ قصص القرآن في الأمم الماضية على أنها للتسلية، فنحن إذاً لسنا على الصراط، ضللنا إذن، (مضى القوم ولم يرد به سوانا) {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ} [(111) سورة يوسف]، فلا بد أن نعتبر وندكر.

يعني لو قرأنا في المجلد السادس مثلاً من نفح الطيب في تاريخ الأندلس، الإنسان يضع يده على قلبه، ويسأل الله السلامة، وأن يدفع عن المسلمين ما يستحقونه من عذاب، لا بد من القراءة في هذه الكتب لما ذكرنا، يقرأ في كتب الأدب، وفيها أيضاً من المتعة ما فيها، وهي أكثر إن لم نقل مثل كتب التاريخ من المتعة ما فيها، وفيها أيضاً: ثروة لغوية يستطيع العالم أو طالب العلم أن يبين عما في نفسه بواسطتها، فالعلماء يقرؤون هذه الكتب، وإن كان في كثير منها شيء مما لا يقبله الذوق، ذوق الرجل العادي فضلاً عن عالم ومتعلم، شيء يستحيى من ذكره، لكن لا بد من قراءتها، ووجدنا من أهل العلم من يقرأ، ووقع في أيدينا من كتب الأدب المطولة ما عليه اسم بعض كبار أهل العلم والورع، وعليها تعليقات لهم، فدل على أنهم يقرؤون في هذه الكتب؛ لكن ليس معنى هذا أن يكون على حساب علوم الكتاب والسنة- لا- هذه يستفاد منها متعة واستجمام، وشيء يتحدث به العالم حينما يشرح لطلابه، ويذكر نكتة من هذه الكتب يريح الطلاب فيها، ويجعلهم يتقبلون ما عنده، فإذا لم يكن في الدرس طرفة، لا شك أن الطالب يمل، وما يشاهد في بعض الدروس من نوم بعض الطلاب إلا لأنها ماشية على وتيرة واحدة؛ فالخروج إلى مثل هذه الكتب والإفادة منها، وإفادة الطلاب، وإلقاء مثل هذه العلوم عليهم، لا شك أنه ينشط الطلاب، والأمور بمقاصدها.

وكتب التواريخ كثيرة جداً، فيها مطولات ومن أنفعها لطالب العلم: الكامل لابن الأثير، وصياغته للأحداث لا نظير لها، البداية والنهاية للإمام الحافظ ابن كثير وفيه أيضاً لفتات له -رحمه الله-، وتنبيهات لا توجد في غيره.

فعلى سبيل المثال: لما ترجم لابن الراوندي ملحد، ذكر عنه ما يستحق من الألفاظ، ثم قال: ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان، وأشاد به وأطال في ترجمته كعادته في معاملة الأدباء، وبخس العلماء، ولم يذكر عنه ما عرف عنه من زندقة، وكأن الكلب ما أكل له شيئاً من العجين.

يعني ما كأن الأمر يعنيه، مع أن العالم أو المتعلم هذه وظيفته، هذه وظيفة العالم بيان الحق من الباطل، فإذا عاملنا ابن الراوندي مثل ما نعامل أئمة الإسلام، وأضفنا عليه من الثناء والمدح، ولو في فنه، مثل ما يضاف إلى علماء المسلمين، كيف يفرق طالب العلم؟

الحافظ ابن كثير له تنبيهات مهمة جداً، وله أيضاً عناية بالتراجم، أكثر من ابن الأثير، وأيضاً يفيد طالب العلم من تاريخ ابن خلدون، وفيه تحليل للأحداث، ولا شك أن هذا يفتح آفاق لطالب العلم، يحلل بها الأحداث المماثلة بدلاً من أن يتخبط كما يتخبط الناس الآن، -مع الأسف- حتى بعض طلاب العلم يخرجون في وسائل الإعلام، ثم بعد ذلك يتحدثون عن بعض القضايا المعاصرة، كأنهم صحفيون، توقعات كلها، ما كأنهم يأوون ويرجعون إلى نصوص، فطالب العلم بحاجة إلى قراءة كتب التواريخ والأدب.

هناك كتب الأدب متفاوتة، فيها المسف، وفيها النزيه إلى حدٍ ما، "زهر الآداب للحصري" نظيف إلى حدٍ ما، وأيضاً نزهة المجالس وأنس المجالس لا بن عبد البر كتاب نفيس، هذا في كتب أدب الدرس، أما في كتب أدب النفس فعلى طالب العلم أن يعنى بها عناية فائقة، الآداب الشرعية لابن مفلح، منظومة الآداب مع شروحها لابن عبد القوي، هذه في غاية الأهمية لطالب العلم، المنظومة الميمية في الوصايا والآداب العلمية للشيخ حافظ حكمي، أيضاً في غاية الأهمية لطالب العلم؛ فطالب العلم عليه أن يُعنى بهذه الكتب، ويستفيد منها من أدب النفس ما لا يجده في غيرها من الكتب.

والكتب كثيرة لا يمكن أن تنتهي، والعلم دربه طويل لا يمكن أن يقطع بمرحلة أو مراحل، فعلى طالب العلم أن يوطن نفسه، وحينئذ إذا صاحب ذلك الإخلاص، والجد فإن طالب العلم حينئذٍ يوفق ويسدد.